أبي حيان الأندلسي

521

البحر المحيط في التفسير

قال إبراهيم : أو يقول كل ما سوى التصريح ، قاله ابن زيد ، والإجماع على أنه لا يجوز التصريح بالتزويج ، ولا التنبيه عليه ، ولا الرفث ، وذكر الجماع ، والتحريض عليه . وقد استدلت الشافعية بنفي الحرج في التعريض بالخطبة على أن التعريض بالندب لا يوجب الحد ، فكما خالف نهي حكمي التعريض والتصريح في الخطبة ، فكذلك في القذف . أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ أي : أخفيتم في أنفسكم من أمر النكاح فلم تعرضوا به ولم يصرّحوا بذكر ، وكان المعنى رفع الجناح عمن أظهر بالتعريض أو ستر ذلك في نفسه ، وإذا ارتفع الحرج عمن تعرض باللفظ فأحرى أن يرتفع عمن كتم ، ولكنهما حالة ظهور وإخفاء عفى عنهما ، وقيل : المعنى أنه يعقد قلبه على أنه سيصرّح بذلك في المستقبل بعد انقضاء العدة ، فأباح اللّه التعريض ، وحرم التصريح في الحال ، وأباح عقد القلب على التصريح في المستقبل . ولا يجوز أن يكون الإكنان في النفس هو الميل إلى المرأة ، لأنه كان يكون من قبيل إيضاح الواضحات ، لأن التعريض بالخطبة أعظم حالا من ميل القلب . عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ هذا عذر في التعريض ، لأن الميل متى حصل في القلب عسر دفعه ، فأسقط اللّه الحرج في ذلك ، وفيه طرف من التوبيخ ، كقوله : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ « 1 » وجاء الفعل بالسين التي تدل على تقارب الزمان المستقبل لا تراخيه ، لأنهن يذكرن عندما انفصلت حبالهن من أزواجهن بالموت ، وتتوق إليهن الأنفس ، ويتمنى نكاحهن . وقال الحسن ، معنى : ستذكرونهن ، كأنه قال : إن لم تنهوا . انتهى . وقوله : ستذكرونهن ، شامل لذكر اللسان وذكر القلب ، فنفى الحرج عن التعريض وهو كسر اللسان ، وعن الإخفاء في النفس وهو ذكر القلب . وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا هذا الاستدراك من الجملة التي قبله ، وهو قوله : ستذكرونهن ، والذكر يقع على أنحاء وأوجه ، فاستدرك منه وجه نهى فيه عن ذكر مخصوص ، ولو لم يستدرك لكان مأذونا فيه لاندراجه تحت مطلق الذكر الذي أخبر اللّه بوقوعه ، وهو نظير قولك : زيد سيلقى خالدا ولكن لا يواجهه بشرّ ، فاستدرك هذه الحالة مما

--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 187 .